يحيي بن حمزة العلوي اليمني
198
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
لقدرهم ، لعدم علمهم بقدره وجهلهم بحاله وأمره ، فرمز بهذه المقالة إلى ذلك ، ومن لحظ كلامه بعين الإنصاف ، وأصغى سمعه لقبول الحق ودان بالاعتراف ، عرف أن كلامه في البلاغة شمس لا يشاركه غيره في الشعاع وأنه في الفصاحة فلك لا يدانيه غيره في الارتفاع . الضرب الرابع ما ورد في كلام البلغاء من التعريض ، حكى ابن الأثير في كتابه أن مروان بن الحكم كان واليا على المدينة من قبل معاوية ، فعزله ، فلما قدم عليه قال : عزلتك لثلاث ، لو لم تكن إلا واحدة لأوجبت عزلك ، إحداهن أنى أمرتك على عبد الله بن عامر ، وبينكما ما بينكما ، فلم تستطع أن تشتفى منه ، والثانية منهن كراهتك أمر زياد ، والثالثة أن ابنتي « رملة » استعدتك على زوجها عمرو بن عثمان ، فلم تعدها ، فقال له مروان : أما عبد الله ابن عامر ، فإني لا أنتصر عليه في سلطاني ، ولكن إذا تساوت الأقدام علم أين موضعه ، وأما كراهتى أمر زياد ، فإن سائر بنى أمية كرهوه ، وأما استعداء « رملة » على عمرو بن عثمان ، فوالله إنه ليأتي على سنة وعندي بنت عثمان فما أكشف لها ثوبا ، يريد أن « رملة » بنت معاوية ، إنما استعدت لطلب الجماع ، فقال معاوية : يا ابن الوزغ ، لست هناك ، فقال له مروان هو ذاك . وهذا من التعريضات اللطيفة الآخذة من حسن الملاطفة بحظ وافر ، وألطف منها وأدخل في الرشاقة ما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وذلك أنه كان يوم الجمعة ، فدخل عثمان بن عفان ، فقال له عمر : أي ساعة هذه فقال له عثمان : يا أمير المؤمنين انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت ، فقال عمر : والوضوء أيضا ، وقد علمت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يأمر بالغسل . فقوله أي ساعة هذه ، تعريض بالإنكار عليه ، لتأخره عن الحضور للصلاة ، وترك السبق إليها ، وإنها من حسن الأدب والإنصاف لفى أحسن موقع . ومن التعريض اللطيف ما روى عن امرأة أنها وقفت على قيس بن سعد ، فقالت : أشكو إليك قلة الفأر في بيتي ، فقال : ما أحسن ما وردت عن حاجتها ، املئوا لها بيتها خبزا وسمنا ولحما . ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك بن مروان ، فقالت له : يا أمير المؤمنين مشت جرذان بيتي على العصى . فقال لها ألطفت في السؤال ، لا جرم لأردنها تثب وثب الفهود ، وملأ بيتها حبا وأنا شديد العجب